محمد بن يزيد المبرد
619
المقتضب
هذا باب من أبواب « أنّ » مكرّرة وذلك قولك : « قد علمت أنّ زيدا - إذا أتاك - أنّه سيكرمك » ، وذلك أنّك قد أردت : قد علمت أنّ زيدا - إذا أتاك - سيكرمك ، فكررت الثانية توكيدا ، ولست تريد بها إلّا ما أردت بالأولى . فمن ذلك قوله عزّ وجلّ : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ « 1 » ، فهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية ، وقد قيل فيها غير هذا . ونحن ذاكروه في آخر الباب إن شاء اللّه . ونظير تكرير « أنّ » هاهنا قوله تبارك وتعالى : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ « 2 » وقوله عزّ وجلّ : فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها « 3 » . وكذلك قوله عزّ وجلّ : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها « 4 » . ومن هذا الباب عندنا وهو قول أبي عمر الجرميّ : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ « 5 » . فالتقدير : - واللّه أعلم - فله نار جهنّم ، وردّت « أنّ » توكيدا . وإن كسرها كاسر ، جعلها مبتدأة بعد الفاء ؛ لأنّ ما بعد فاء المجازاة ابتداء ، كقوله عزّ وجلّ : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ « 6 » ف « إنّ » في هذا الموضع يجوز أن تكون الأولى التي وقعت بعد الحكاية كرّرت ، ويجوز أن تكون وقعت مبتدأة بعد الفاء ، كقولك : « من يأتني فإنّي سأكرمه » .
--> ( 1 ) المؤمنون : 35 . ( 2 ) هود : 19 . ( 3 ) الحشر : 17 . ( 4 ) هود : 108 . ( 5 ) التوبة : 63 . ( 6 ) الجمعة : 8 .